فوزي آل سيف
42
من قصة الديانات والرسل
أولاً: لأنّها تنتهي إلى عبثية بعث الرسل، وإنزال الكتب المتأخرة عن الديانة الأولى والرسول السابق. فمن الواضح أن الرسالات جاءت متتابعة، فكانت اليهودية ثم المسيحية وأخيرًا الإسلام وباعتبار كون هذه الرسالات شاملة لكل البشر فإنهم مخاطبون بالإيمان بها.. كلٌّ في مرحلته الزمنية، وبالذات بالنسبة للإسلام فقد نسخ ما قبله من الديانات، وأوجب الله على البشر الإيمان به، والاعتقاد برسوله، ولم يقبل البقاء على تلك الديانات بعد مجيء الإسلام، وهذا هو أحد معاني خاتمية النبي للرسل، وخاتمية الإسلام للرسالات. إن قبول فكرة التعددية الدينية بمعناها الثاني، ينافي الاعتقاد بخاتمية الرسل وخاتمية الرسالات بالنبي والإسلام. بل يلغي غرض وهدف هذه البعثة، فإذا كان بإمكان الناس أن يتعبدوا بالطريقة التي يرونها موصلة إلى ربهم فما معنى أن يخاطبهم النبي: أسلمْ تسلمْ؟ بإمكان كل شخص أن يقول إنني سالم فلا أحتاج إلى الإسلام! لا معنى لأن يقول: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا! فإن بإمكان المسيحي القائل بالتثليث أن يقول: أنا من المفلحين ولا أحتاج إلى عقيدة التوحيد! بإمكان اليهودي أن يقول: إن آية (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[124]لا ترتبط بي، فإن ديني اليهودي مقبول، وأنا في الآخرة من المفلحين.. وهكذا. إن هذا ينتهي إلى (تضليل) عمل النبي صلى الله عليه وآله والعياذ بالله في دعوته اليهود والنصارى بل المجوس، والصابئة، (وتخطئة) القرآن وعمل النبي في انتقاد الأحبار والرهبان وعلماء الديانات الأخرى حيث لم يؤمنوا بالقرآن ولم يصدقوا النبي! فإنه ما دام بالإمكان أن يعمل هؤلاء بحسب ديانتهم، ويمارسون شعائرهم وهم في ذلك معذورون غير محاسبين من قبل الله سبحانه فما الداعي لإلزامهم بطريقة الإسلام ليس إلا؟ إن هذا الانتقاد من القرآن الكريم ـ وهو كثير[125]ـ لليهود والنصارى في متابعتهم علماءهم والعتاب من النبي للرهبان والاحبار ليس في محله ولا ينبغي أن يكون بناء على هذه النظرية! فلماذا يحجّر القرآن واسعا ولماذا يلزم النبي الآخرين بما لا إلزام فيه؟ إن الإيمان بالتعددية الدينية بالمعنى الثاني ينتهي إلى لغوية بعث الأنبياء والرسالات المتأخرة وينتهي إلى لغوية عتاب وتخطئة القرآن ونبي الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى الذين لم يتبعوا رسالته ولم يؤمنوا بدينه! ثانيًا: أداء هذه الفكرة إلى الإيمان بالتضاد أو التناقض، وذلك أن كل ديانة ترى الحق في اعتقادها ـ بغض النظر عن تخطئتها لغيرها أو لا ـ فالمسيحية المعاصرة تعتقد أنّ النجاة في التثليث: الأب والابن وروح القدس، وأن حقيقة العبادة لا تتم إلا بالإيمان بهذا الثالوث، بينما دين الإسلامي يقول إن العبادة لا تتم الا بالتوحيد، و(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)، إن الاعتقاد بكون التوحيد والتثليث هما العبادة! يعني الإيمان بالتضاد وأن من الممكن أن يطلب الله من الناس الشيء وضده! والأمر وما يخالفه!. وهكذا أن يطلب من عباده أن يعتقدوا أن لله ولدًا (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وفي نفس الوقت يطلب منهم باستمرار أن يكرروا في صلواتهم (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)..فإن هذا أمر غير معقول.
--> 124 آل عمران: 85 125 التوبة: 70-71)لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (